¦ تقديم :
عند الحديث عن البلوغ و/أو المراهقة غالبا ما يقع خلط بين هذين المفهومين، و من هنا ضرورة تحديدهما، هذا الخلط ـ حسبما يبدو ـ يستقي جذوره و ماهيته في الأدبيات العربية ـ الإسلامية، و بالفعل، فالقرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف، بل و حتى كتابات القدامى العرب، لا تتحدث صراحة عن المراهقة، لكنها ـ على العكس من ذلك ـ تتكلم عن البلوغ و خصائصه و تمظهراته مستحضرة من خلال ذلك هذا الانتقال من وضع الطفل غير المسؤول، إلى وضع الراشد المسؤول.
يقول الله تعالى في سورة النور ( و إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا، كما استأذن الذين من قبلهم )
و هناك حديث نبوي يتعلق بالواجبات الدينية و التربية الجنسية للأطفال حيث يأمرنا الرسول، بتعليم الصلاة للأبناء ابتداء من سبع سنوات، و بعقابهم على تركها عند العشر سنوات، و بالتفريق بينهم في المضاجع.
و الأكيد أن تمة تكاملا في استعمال مفهومي البلوغ و المراهقة إلا أن مرحلتيها متتاليتين و متتابعتين في الزمان أي أن الأمر يتعلق بحالتين متمايزتين و متداخلتين، لكنهما غير متشابهتين و لا متماثلتين.
أولا ـ البلوغ:1
هو الإنتقال من الوضع الفيزيقي ـ الفيزيولوجي المميز للطفل، إلى الوضع الفيزيقي ـ الفيزيولوجي المميز للراشد و تبتدؤ هذه المرحلة بدفعة نمو قوية، يليها ظهور سمات جنسية ثانوية، لتختتم أخيرا باكتمال نمو الفرد و على العموم يتسم البلوغ بما يلي :
|
أ ـ نمو القامة : يزيد طول القامة ما بين 13 و 15 من العمر بمعدل 20 سم في السنة لدى الذكور، و ما بين 8 إلى 10 سم في السنة لدى الفتيات، و هذا التفاوت هو الذي يفسر فوارق طول القامة بين الرجال و النساء عند سن الرشد.
ب ـ زيادة في الوزن : بالنسبة للذكور فيما بين 12 و 18 سنة تحدثالوزن تقدر ب 6/5 كغ في السنة، يليها استقرار في سن 18 دون أن يعرف ذلك توقفا نهائيا، ثمة إذا تناوب بين دفعات النمو في القامة و الوزن.
ج ـ تحولات مورفولوجية : اصطلاح بالغ يعني تعميم الجسد بالشعر فمن علامات البلوغ ظهور شعر العانة و الإبط كما أن هناك مظاهر أخرى حسب الجنس، كاتساع الحنجرة و تغير الصوت و اتساع الحوض...
ثانيا ـ المراهقة:
تعرف المراهقة على أنها الانتقال من وضع الطفل التابع و اللامسؤل إلى وضع الراشد المستقل و المسؤول، و هي الحصيلة أو النتائج السيكولوجية لمختلف التحولات التي تطرأ على الجهاز العضوي للفرض في مرحلة معينة من تطوره.1
¦ البعد الجسمي في شخصية المراهق:2
|
لا شك أن التغيرات الجسمية السريعة و العميقة التي تنتاب المراهق، في ظرف زماني وجيز، قد تجعل انتباهه يتحول من العالم الخارجي إلى ملاحظة ذاته و تأملها، هذه الذات التي أصبحت تشكل موضوعا غير مألوف. خاصة و أن هذه التغيرات العديدة انعكس تأثيرها على شخصيته و سلوكه. و أصبح يدرك هذا التغير في سلوكه و في شخصيته من خلال علاقاته و تفاعله بالغير. فهذا التغير الذي لحق مختلف جوانب جسمه يستقطب اهتمامه إلى درجة تجعله يركز عليه الانتباه. و من أجل ذلك فهو يقضي ساعات طويلة أمام المرآة يتطلع فيها إلى سحنته، متفحصا لهذه التغيرات الدخيلة على جسمه الذي كان منطقة عادية و مألوفة لديه، و هو في الوقت ذاته يربط هذه التغيرات بما سيكون لها من تأثير في علاقته بالغير، و خاصة و أنه يتميز في هذه المرحلة بالخجل و الخوف و القلق من كل ما يمكن أن يجر عليه أي انتقاد يخدش شخصيته و ينال منها. إن ذات المراهق في بداية هذه المرحلة ليست بعد بذات واثقة كل الوثوق من نفسها، و لأجل ذلك فهي تبحث في جسمها عن سند قار و متين يجعلها بعيدة كل البعد عن أي نقص يأتي مصدره من الذات الجسمية القريبة منه، و من أجل اضفاء القيمة الإيجابية على ذاته، فإن المراهق يتحول خلال هذه المرحلة، من طفل مهمل للباسه و لنظافة جسمه، إلى شخص يجعل الاهتمام بهذه الجوانب في الدرجة الأولى. و ذلك بعد اكتشافه ما يقوم به هذا الجسم من دور في اثبات الذات و تأكيدها أمام الآخرين. فالشعر و الوجه والأظافر و اللباس تغدو هاجس اهتمامه الأساسي.
كما أن المراهق لا يتوانى لحظة في ممارسة أي نوع من أنواع الرياضة التي يعتقد أن لها علاقة بإبراز هذه الذات و تحقيق وجودها، بشكل يجعلها تساند شخصيته و تعاضدها في مواقف التفاعل مع الآخرين، و بخاصة لدى أفراد الجنس الآخر.
غير أن هذه التغيرات الجسمية لا تجعل المراهق يهتم بها مظهريا فحسب، و إنما تشغله داخلا أيضا، لأنها تثير فيه صراعا نفسيا داخليا، و تجعله يحس بانتقاله من مظاهر الطفولة و دخوله إلى عالم الراشدين، بكل ما يجسده جسمه من ملامح و مظاهر، و لكن المجتمع بعيد عن الاعتراف به كراشد.. فهو إذن في بداية الطريق.
¦ البعد العقلي في شخصية المراهق:1
إن النمو في فترة المراهقة لا يقتصر على التغيرات الجسمية و الفسيولوجية و إنما يرافق ذلك أيضا نمو في التفكير و في القدرات العقلية المرتبطة به. فالمراهقة تتميز بأنها فترة " تمييز و تمايز" و نضج في مختلف قوى و أساليب السلوك العقلي و الإدراكي.
تدل أبحاث بعض العلماء أمثال "بروكس" أن البيئة لها تأثير كبير على المستوى العقلي للفرد؛ إذ كلما كانت بيئة المراهق مليئة بالخبرات فإن ذلك يساعد على شحن ذهنه و مساعدة قدراته المختلفة على حل المشاكل العقلية المعقدة.
و يرى "بياجه" أن الذكاء يمثل أعلى درجة للتكيف العقلي، و هو الأداة التي لا غنى عنها لتحقيق أفضل تواصل للفرد مع الوسط الذي يعيش فيه. فالذكاء يعتبر نسقا من العمليات المنطقية التي تزودنا بالتوازن المتحرك و المستمر بين الفكر و العالم.
و من هنا يتضح ما يلعبه الوسط الذي يعيش فيه المراهق من دور في تزويده بمادة البحث و المقارنة، حتى إن "بياجه" يعتبر الوسط الاجتماعي، و ما يلزم به الفرد شرطا أساسيا من شروط نضج الذكاء و تطوره. فتبادل التأثير و التأثر بين الفرد و محيطه الاجتماعي يساعد على بلورة العمليات الذهنية المنطقية التي تجتمع لتشكل كلا ملتحما يجمع أسس النسق العقلي. و هذا لا يتم بدون الحياة الاجتماعية التي تمده بمختلف الخبرات التي يصوغها في قوالب ذهنية. و من بين البحوث الهامة التي تناولت دور المحيط الاجتماعي في تنمية الذكاء ما قام به كل من Heuyer و Pierson و Santy في فرنسا على حوالي 100.000 شخص ينتمون إلى أوساط اجتماعية و اقتصادية مختلفة، و قد بينت نتائج هذا البحث ما يلي:
هناك علاقة ترابطية بين المستويات العقلية لنوع المهنة الممارسة من قبل الوالدين و القدرة العقلية لهم. فقد احتل أبناء الصناع الدرجة الأولى. في حين احتل أبناء الفلاحين الدرجة الأخيرة. هذا بالنسبة لمختلف الأعمار و بالنسبة للجنسين معا. هذا و تزكي أبحاث "بروت" و "بيري" هذه النتائج من خلال البحث الذي قاما به في أميريكا.
و من جهة أخرى فإن العامل العقلي للمراهقين الذين يعيشون في المؤسسات الايوائية أو مؤسسات الأيتام بشكل عام أقل نسبة من رفاقهم في السن، الذين يعيشون مع أسرهم، حتى ولو كان المستوى السوسيواقتصادي لهذه الأسر ضعيفا، و هذا الأمر لا يظهر على صعيد المردود الدراسي فحسب و إنما يتجلى أيضا في المستويات، و ذلك باستخدام إختبارات نفسية خاصة لا تعير العوامل الثقافية أهمية.
إن هذه النتائج توضح ما يساهم به المحيط الاجتماعي الثقافي و الاقتصادي الذي يعيش فيه الفرد من إثارة الاستعداد العقلي و تنميته.
|
|
و نخلص من هذا العرض إلى أن العالم العقلي للمراهق "بوجه عام" يختلف عن العالم العقلي للطفل؛ إذ أن عالم المراهق أكثر اتساقا و انتظاما و أكثر معنوية و تجريدا، و هذا يسمح للمراهق بالاستمتاع بالنشاط العقلي و قضاء أوقات طويلة في التفكير و التأمل في مسائل مجردة كقيم الخير و الجمال و الفضيلة و الشجاعة و العدالة و معنى الحياة.. الخ و هذه كلها مفاهيم كانت قواه العقلية خلال الطفولة لا تستطيع استيعاب مداركها. و نظرا لهذه القدرة العقلية التجريدية التي تتميز بها المراهقة، فإنه يمكن اعتبارها مرحلة الفلسفة "الفلسفية" التي يطرحها طفل الرابعة و الخامسة يجيبه عنها الآباء و المدرسون. أما الأسئلة التي تشغل بال المراهق فهي أسئلة غالبا ما يطرحها على نفسه و يجول فيها بعقله و يستخدم فيها تأملاته. فالمراهق لم يعد بالطفل المستقبل لكل شيء، فهو يطرح للنقاش العقلي كل المبادئ و المسلمات و الأعراف التي كانت لا تثير لديه أدنى شك. فالمبادئ الخلقية التي تلقاها من قبل و سلم بصحتها و ضرورتها غدت لديه اليوم موضع شك و مساءلة عن أهميتها و ضرورتها. كما أن المراهق يستهويه في هذه السن البحث عن علل الكون و الحيات و مصدر الأديان و قيمتها الروحية و الاجتماعية.. الخ و بقدر ما يناقش هذه المسائل بالاستدلال العقلي و المنطقي، فإن هذا النقاش و التحليل و العرض يعيد إليه صدى ذاته. فهذه المواقف تبرز قدرته العقلية و تؤكد ذاته و استقلالها و وجودها. و لو شئنا استخدام "الكوجيطو" الديكارتي لقلنا إن إحساس المراهق بالوجود و الاستقلال الذاتي يتم لديه و يتعزز عن طريق ممارسته لدور العقل في الخوض في مختلف المسائل. فالمراهق يثبت وجوده و استقلاله و قيمته من خلال ممارسة عمل الفكر و وظيفته و ذلك بطرح للمناقشة كل القضايا الفلسفية و الاجتماعية و الدينية، و هو في الواقع قد لا يرغب في مناقشة هذه القضايا لذاتها فقط، و إنما يعتبر هذا السلوك وسيلة من وسائل تأكيد الذات و إثبات وجودها و إعطائها حق المشروعية في الوجود. و المراهق لا يمارس الفكير فحسب إنما يمارس التفكير العميق الذي هو التأمل.
الخيال والابتكار في المراهقة: يحاول المراهق أن يقطعا لصلة بكل ما يربطه بالطفولة. إن عالم المحسوسات و الألوان و الأشكال الذي كان يشكل عماد معرفته و أساسها في الطفولة، لم يعد يعجبه، و سيتجه في هذه لفترة الجديدة إلى خلق عالم جديد من الخيال يتخذ مادته من العواطف المشبوبة، التي تشكل مادة الخلق و الابتكار، فكانت هذه المرحلة بحق مرحلة الرومانسية كما يطلق عليها البعض.
¦ البعد الانفعالي في شخصية المراهق:
|
قد يكون مصدر الانفعال عضويا أو فيسيولوجيا، كالتغيرات التي تنتاب جسم المراهق أو المراهقة فتؤدي إلى اضطراب السلوك في حضور الآخرين. إن هذه الانفعالات تختلف عن انفعالات الطفل بسبب اختلاف المثيرات، و المراهق لا يعيش استقرارا نفسيا، كما أنه سريع الإحراج و يعود ذلك إلى التغيرات التي حصلت في عمل الغدد و إلى النظرة التي يفسر بها المواقف التي يواجهها في الأسرة و المدرسة و المجتمع، و هو متقلب في آرائه و أهوائه و نزاعاته أو إلى بنائه آمالا كبيرة لا تستند إلى الواقع.
¦ المراهقة و صعوبات التعلم:2
المراهقة فترة حرجة، يعاني صاحبها الكثير من التوزع العاطفي و الضيق الذي لا يبدو مفهوما للآخرين. و هذا راجع إلى طفرة النمو الفيزيولوجي و العقلي و الانفعالي. و لكن الأمر يهون إذا ما تلقى المساندة و المعونة اللازمة في الوقت المناسب حتى يتمكن من تجاوز الصعوبات التي تقف أمامه.
و من بين هذه الصعوبات:
عامل تشتت الانتباه: يشخص العديد من المراهقين على أنهم عديموا التركيز مشوشوا الانتباه، و قد يذهب بالمدرس الظن إلى أن تلميذه الذي لا يستقر هادئا، أو ليست لديه القدرة على الصبر و الاحتمال، فلا يثابر على عمله لينتهي منه، و من بين الأعراض التي تظهر عند شارد الذهن و مشتت الانتباه، و من يقوم بنشاط غير هادف، ما يلي:
1) عدم الارتياح : إذا ما جلس في مكان ما، فهو لا يستقر في حالة واحدة، و إنما يأخذ، يشد بيديه و يبعث برجليه.
2) يثير انتباهه كل ما يحدث من حواليه، سواء أدركه بسمعه أو ببصره، أو بأي حاسة من حواسه.
3) يجيب عن السؤال قبل أن يتم طرحه من طرف الأستاذ ( نتيجة غياب الانصات )
4) يجد صعوبة في متابعة ما يسمعه أو يقرره داخل الفصل.
5) ينتقل في العادة من عمل إلى آخر و من نشاط إلى غيره قبل أن يكمل الذي بين يديه من أشغال.
6) كثير الكلام و الحديث مع زملائه، خاصة أثناء شرح المدرس، فهو يحب الثرثرة.
7) يقاطع الآخرين و هم يتحدثون، وقبل أن يتموا كلامهم، و يتدخل غالبا فيما لا يعنيه.
8) يشد انتباهه الجنس الآخر إلى درجة الشرود.
المرجع السابق ص: 82/76/75/71 بتصرف
9) يقوم بأعماله باندفاع، دون أن يفكر في عواقبها، ما قد يعود عليه منها بضرر بالغ، فهو يقطع الشارع مثلا دون أن ينظر يمنة أو يسرة، و قد تظهر هذه الأعراض أو بعضها بسبب مشاكل عاطفية يعاني منها الفرض، أو بسبب صعوبات التعلم، أو بسبب الآثار البيئية.
يتشتت انتباه المراهق بسبب عوامل داخلية أو خارجية، فقد يغرق الشخص في أحلام اليقظة، و ما يتوارد على خاطره من أفكار، و هو يحملق في المدرس داخل القسم، و كأنه لم يسمع أي كلمة. وقد يكون سبب ذلك فتور العلاقة بين المدرس و التلميذ أو لعدم ملاءمة أسلوب التدريس له، و قد تكون أحلام اليقظة بسبب مشاكل عائلية أو عاطفية يلجأ إليها الشخص ليبعد عنه همومه أو بسبب رغبته في شيء ما يستحوذ عليه، و يمني نفسه الحصول عليه.
و مثل هاؤلاء بحاجة إلى وقت إضافي يبدون فيه استعدادهم و قدراتهم على استيعاب الدرس و متابعة ما يجري داخل القسم.
اقتراحات من أجل تجاوز صعوبات التعلم:
بما أن المدرس عامل هام في الجو المدرسي، فإننا نوجز دور المدرس في تجاوز صعوبات التعلم فيما يلي:
ـ إن المدرس يستطيع إثارة اهتمام التلاميذ باللجوء إلى استخدام وسائل تعليمية، بما فيها الوسائل السمعية البصرية.
ـ تهيئ فرص تساعد على إشباع حاجات هاؤلاء التلاميذ و ميولهم، و تساعد على دعم العلاقة بين المنزل و المدرسة.
|
ـ إن علاقة المدرس بتلاميذته لها أثر واضح في تيسير التعلم أو عرقلته، فالعطف و الحنان من جانبه يساعدان على إقبال المراهق على عملية التعلم، مما يساعده على التخلص مما يضايقه و يعرقل دراستهم.
إن مهمة العناية لهذه الفئة هي مهمة المجتمع، و إن كانت في الواقع مهمة الآباء بالدرجة الأولى، إذ من واجب الأسر أن يوفروا لهم المناخ المناسب و الجو المريح الذي يبعد عنهم اليأس و الاحباط و يبعث في نفسهم الثقة و الأمل.1
مجلة علوم التربية، العدد 22 ـ مار
مواضيع قد تفيدك أيضاَ :
قسم علوم التربية

0 التعليقات:
إرسال تعليق