: المذهب الحنفي
ممايشهد له التاريخ أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في فن القواعد
الفقهية ،ولعل أقدم خبر يروى في جمع القواعد الفقهية في المذهب الحنفي ما رواه
الإمام العلائي الشافعي(ت761 هـ) والعلامتان جلال الدين السيوطي(ت911هـ) وابن نجيم
(ت970 هـ) من أن أبا طاهر الدباس- من فقهاء القرن الرابع الهجري(ق4هـ)-قد جمع أهم قواعد
الإمام أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية [1].
أخدها الإمام أبو
الحسن الكرخي (ت340هـ) وزاد عليها ودونها في رسالته المسماة – بأصول الكرخي _ التي
جمع فيها فروع المذهب الحنفي ،وهي تقع في تسعة وثلاثين قاعدة أو ضابط أطلق عليه
إسم الأصول.
ثم جاء أبو زيد الدبوسي وألف كتاب _ تأسيس النظر في
الأصول وضمنه القواعد الفقهية في الفقه مع الضوابط الفقهية وبين اساس الاختلاف بين
الأئمة
تم جاء بعد ذلك عمر النسفي [ت 537هـ] وذكر الأمثلة و
الشواهد لكل قاعدة من القواعد وما تشتمل عليه من الفروع الفقهية والأحكام
المستنبطة على المذهب الحنفي
وصنف الإمام أبو المضفر أسعد بن محمد الكرابسي [570هـ]
كتاب الفروق بحسب الأبواب الفقهية ورتبه على بحوث واشتمل كل بحث على مسألتين في
الغالب أو أكثر وبين الفرق بين المسألتين أو المسائل المذكورة
وانتقلت هذه القواعد مع شواهدها وأمثلتها من مثال إلى آخر
حتى جاء العلامة إبراهيم بن نجيم المصري [ت 970هـ] وألف كتابه الأشباه والنظائر
الذي جمع فيه القواعد الكلية وبين الفروع التي تشتمل عليها، ثم ذكر أصل القاعدة و
المسائل التي تستثنى منها.
ومن شروحه "غمز عيون الأبصار والبصائر":لأحمد
بن محمد الحنفي الحموي (ت1098هـ)، وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مرة فأصبح في حكم
المفقود.
كتاب مجامع الحقائق 1176: للفقيه الحنفي أبي سعيد محمد الخادمي
(ت1176 هـ)و هو في أصول الفقه ولكن المؤلف ضمنه القواعد الفقهية في أربع وخمسين
قاعدة في نهاية الكتاب، ثم جاء مصطفي محمد الكوز الحصاري وشرح هذه القواعد في كتابه
_ منافع الدقائق _
ثم جاء مفتي دمشق محمد حمزة الدمشقي الحنفي [ت
1305هـ]وألف كتاب في القواعد باسم – الفوائد البهية في القواعد الفقهية – وصنفه
بحسب أبواب الفقه وذكر لكل قاعدة مصدرها الفقهي وفروعها التي تدخل تحتها
أما في العصر الحاضر قام أستاذنا مصطفى الزرقا بدراسة
معمقة عن القواعد الفقهية في مذهب الحنفي في الباب السادس في كتابه المدخل الفقهي
العام.
أما فيما يخص مناهج التأليف في القواعد
الفقهية عندالحنفية،فهي أيضا تطورت حسب تطور الزمن، واختلفت من مؤلف إلى آخر وهذه
بعض النماذج من ذالك مقتفيا الكتب
المشهورة في المذهب:
1 أصول الإمام
أبي الحسن الكرخي (260_340هـ) :هو أول مصادر القواعد الفقهية بل اللبنة الأولى في صرح
هذا الفن، الذي شيد أساسه علي مدى قرون بجهود متواصلة للمؤلف فيه.ومنهج المؤلف في
هذه الرسالة أ نه يذكر القواعد الفقهية ،وربما ذكروا طرفا من القوعد الأصولية
وبدون ترتيب ،ثم أنه يبدأ كل قاعدة بعنوان"الأصل" وقد بلغت ستا و
ثلاثين(أصلا)، وقد أوفاها بالأمثلة نجم الدين أبو حفص ألنسفي(537هـ):وإليكم بعض
النماذج من هذه القواعد بدأها بقوله: "الأصل"، "أن ما ثبت باليقين
لا يزول بالشك"، وهذه إحدى القواعد الأساسية المشهورة.
"الأصل أنه إذا امضي بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله
و يفسخ بالنص "فإذا نظرنا إلــي القواعد المذكورة وقارنت بينها و بين القواعد
المتداولة على الصورة الأخيرة وجدت هناك خلافا يسيرا في الصياغة بين هذه و تلك،
دون أن يترتب فرق من حيث المعنى و المغزى[2]
كما أن هذه الرسالة تحتوي علي بعض القواعد الأصولية و
منها:
"الأصل أنه يفرق بين علة الحكم وحكمته فإن علته
وحكمته غير موجبة".
2 -تأسيس النظر لابن زيد الدبوسي(480ه):هو عبد الله بن عمر بن عيسي،
أبو زيد الدبوسي
هذا الكتاب من نا
حية الترتيب يشبه أصولأبي الحسن الكرخي ،بحيث أنه ذكرالقواعد الفقهية والأصولية
بدون ترتيب ،ولم ترتب إلا من طرف الذين أتو بعده ،والكتاب في حد ذاته بيان منشأ
الخلاف بين الفقهاء فهو أول كتاب ظهر في الفقه الموازن قبل أن يكون أول كتاب في
القواعد الفقهية يقول المؤلف في المقدمة: "جمعت في كتابي "أحرفا إذا
تدبر الناظر فيها وتأملها عرف مجال التنازع ومدار التناطح عـــند التخاصم " [3]
العبارة توحي إلي أنه لم يكن غرض المؤلف مجرد جمع القواعد
وإنما أوردها باعتبـار أنها وسيلة إلي بيان الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه محمد بن
الحسن و أبي يوســف.
وقد اشتمل
الكتاب علي ست و ثمانين قاعدة، ومعظم القواعد هي قواعد مذهبية[4]، ورتبه المؤلف علي ثمانية
أقسام تناولت الاختلاف بين الأئمة، حسب الترتيب التالي :
- خلاف بين أبي حنيفة و بين صاحبيه محمد بن الحسن وابي
يوسف.
- خلاف بين ابي يوسف ومحمد بن الحسن.
- خلاف بين أئمة
الحنفية وبين االامام مالك بن أنس .
وذكر لكل باب قواعد بعنوان "الأصول" علي نمط
الكرخي وغيره، ووضحها بالأمثلة والنظائر .
وفي ما يلي نسوق بعض النماذج من القواعد من الاقسام المذكورةالمختلفة:
الاصل عند أبي
حنيفة أن الشيء إذا غلب عليه وجوده يجعله كالموجود حقيقة وإن لم يجد.
من المسائل المفرعة على هذه القاعدة: «أن من صلى في
السفينة وهو يخاف علي نفسه دوران رأسه جازت صلاته عند أبي حنيفة لهذا المعني لأن
الغالب من السفينة دوران الرأس فجعل
كالموجود حقيقة و إن لم يوجد ، وعندهما
(أبي يوسف ومحمد بن الحسن) لا تجوز صلاته[5].
3- كتاب الفروق
لأبي المظفر اسعد بن محمدالكرابيسي(570هـ): هذا الكتاب رتبه صاحبه بحسب
الأبواب الفقهية، ورتبه علي مباحث، واشتمل كل بحث علي مسألتين في الغالب، أو أكثر
وبين الفرق بين المسألتين أو المسائل المذكورة، ورد الخلاف بعضها إلي خلاف القواعد
الفقهية التي تندرج تحتها،.[6].
4- الأشباه
والنظائر لزين الدين بن إبراهيم المعروف بابن نجيم توفي 970هـ:
اعتمد في هذا الكتاب علي ترتيب خاص حيث أنه قسمه سبعة
مباحث: الأول بعـنوان "القواعد" الثاني "الضوابط" الثالث
"معرفة الجمع، والفرق" الرابع "الألغاز[7]" الخامس:"الحيل[8]" ،السادس:الاشباه
والنظائر او الفروق ،السابع:الحكايات على الإمام أبي حنيفة واصحابه المتقدمين
والمتأخرين .
والناظرفي الكتاب يرى شبها كبيرا بينه وبين اشباه
السيوطي،ومن الحتمل ان ابن نجيم قد استعان بأشباه السيوطي وقد صرح بن نجيم في
الصفحة (141)من اشباهه بالنقل من السيوطي.
وقد حظي هذ الكتاب بمكانة عالية لدى متأخري الحنفية
،فمنهم من رتبه على ابواب الفقه ،ومنهم من شرحه ،ومنهم من وضع عليه حاشية،وقد عد
محمد مطيع الحافظ من تراتيبه وشروحه وحواشيه والتعليقات عليه سبعة وعشرين كتابا ،وبين
مؤلفيها وأماكن نسخها ،ولاداعي للإطالة بسردها كلها ،وسأكتفي بذكر بعضها:
- أ-
غمز عيو ن البصائر :لأحمد بن محمد الحموي الحنفي المتوفى سنة 1098 هـ وقد طبع هذاالكتاب اكثر من مرة ،الا ان
تلك الطبعات اصبحت في حكم المفقود .
-ب-أتحاف
الأبصار و البصائربتبويب الأشباه و النظائر:تأليف الشيخ محمدأبي الفتح الحنفي مفتي
السكندرية ،وقد طبع هذا الكتاب بالمطبعة الوطنية بالسكندرية سنة 1289هـ .
-ج- التحقيق
الباهرشرح الاشباه والنظائر: تأليف محمد هبة الله بن محمد التاجي المتوفى سنة
1224هـ .وهذا الكتاب من اكبر الشروح لأشباه ابن نجيم حيث يبلغ مجموع اوراقه حوالي 2004
ورقة.
5-مجامع
الحقائق:للعلامة محمد بن محمد بن مصطفى الخادمي المكنى بأبي سعيد ،الفقيه الحنفي
الاصولي عاش في القرن الثاني الهجري (ت1176هـ)،حفظ المتون وبرع في
الفنون .
من مؤلفاته الرائعة:"حا شية على درر الحكام شرح
غرراللأحكام في فقه الحنفية".
وضع المؤلف مثنا مركزا في أصول الفقه وأسماه بمجامع
الحقائق ،وختمه بخاتمة جمع فيها مجموعة من القواعد الفقهية ،قدمها المؤلف دون ما
شرح و تعليق وقد رتبها على حروف المعجم وفق الحرف الاول من أول كلمة من كل منها
،فبلغت تقريبا أربعا وخمسين ومائة قاعدة .
والذي يبدوا أن المؤلف أخذ معظم ما أورده العلامة ابن
نجيم في "الاشباه"وأضاف الىذالك قواعد ذات شأن في الفقه الاسلامي .بدأها
المؤلف بقاعدة مشهورة أساسية "الأمور بمقاصدها "وجلها قواعد فقهية ،إن
كان بعضها من القواعد متداخلا وأولى بان تندرج في أصول الفقه،وأيضا فقد جاء فيها
بضع قواعد من قبيل الاصول التوجيهية لرجال المذهب في تعليل المسائل .وإليك نبذة
منها:
فمن القواعد المشهورة في حرف الالف :
(1)إذا اجتمع الحلال والحرام غلب ااحرام على الحلال.
(2)إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم الى المباشر.
(3)الاصل ابقاء ما كان على ما كان.
[4]القواعد المذهبية: هي التي تتفق مع مذهب
دون مذهب آخر مثل:قاعدة "الأجر و الضمان لا يجتمعان"، مذكورة في مصا در
الفقه الحنفي، ولا تتماشى مع مدهن الجمهور.(الباخسين)
[7]الألغاز الفقهية:فن يقصد منه امتحان الطلاب ،ومن العلماء من ذكره ضمن كتابه
،كما فعل ابن السبكي في أشباهه وابن نجيم نجيم في اشباهه،ومن العلماء من أفرده
بالتصنيف منهمالاسنوي الشافعي ت 772هـ .في كتاب إسمه"طراز المحافل في ألغاز
المسائل"
[8]الحيل الفقهية:فنيريياد منه إخراج الواقع
في مأزق من مأزقه،وبعضهم يسميه فن المخرج ،وقد اشتهر الأحناف بهذا الفن فنهم من
ذكره في كتابه كما فعل ابن نجيم في أشباهه.
مواضيع قد تفيدك أيضاَ :
الرئيسية,
قسم المقالات المنوعة

0 التعليقات:
إرسال تعليق