قد سبق وأن تحدثت عن معنى الاجتهاد، لغة واصطلاحا ضمن الفصل التمهيدي الخاص بالمصطلحات، وسأمر مباشرة إلى المعنى الخاص بالقاعدة عند العلماء.
فالقاعدة تنفي أمر الاجتهاد مع وجود النص الصحيح الصريح(الواضح). وكلمة النص في القاعدة بمعنى الدليل على الحكم كالآية والحديث، أي خطاب الشارع. وفي الحقيقة أن المراد هنا بالنص الذي لا مساغ للاجتهاد مع وجوده هو: ذلك النص القطعي الدلالة، قال الشيخ أحمد الزرقا: "لا مساغ للاجتهاد في مورد النص، لأن الحكم الشرعي حاصل بالنص فلا حاجة لبذل الوسع في تحصيله، ولأن الاجتهاد ظني والحكم الحاصل به حاصل بظني، بخلاف الحاصل بالنص فإنه يقيني ولا يترك اليقيني بالظني"[1].
فهذه القاعدة مهمة جدا ضمن القواعد لأنها تحافظ على باب كبير من أبواب الدين، حتى لا تضيع ثوابته وأصوله القطعية.
فلو تخلت الأمة عن هذه القاعدة كما يريد بعض دعاة العلمانية وصارت إلى ما يقولون من فتح باب الاجتهاد على مصراعيه في كل شيء، فإننا حينها نكون داخل باب تمييع الدين وتبديله وتحريفه، فلا يبقى حينئذ أي ثابت يجمع الأمة ويوحدها، أو ثابت تنطلق منه الأمة لبناء دعائمها على أساس متين، لأن الاجتهاد المطلق الذي يدافع عنه دعاة التحريف و التضليل، لا يلتزم بنص ولا يقر بقطعي وما ذلك إلا لهدم ركائـز هذا
الدين وتمييع أحكامه حتى توافق الأهواء ويصدق فيهم قوله تعالى:) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون([2].
أعود هنا لأقول بأن القاعدة لا اجتهاد مع النص تنفي الاجتهاد في حالة وجود نص واضح الدلالة صحيح السند والمعنى، وعليه يتضح من القاعدة على أن الاجتهاد يكون في القضايا التي لم يرد في الشريعة الإسلامية نص صريح بحكمها أما ما جاء بصدده نص صريح بحكمه فلا يجوز الاجتهاد فيه، وذلك لأن الغرض من الاجتهاد هو تحصيل الحكم الشرعي، كما بينه العلماء فإذا كان حاصلا بالنص فلا حاجة للاجتهاد، والاجتهاد لا يصل إلى الحكم إلا بما يعتمد عليه من النص أو الإجماع أو القياس أو مثله، وبذلك يكون المعول عليه هو النص، للبحث عن الحكم، فلا اجتهاد في مورد النص، ولا اجتهاد إلا بجانب النص أو الإجماع أو القياس أو المصادر التبعية، أو الاجتهاد في النص لفهم مقصده الشرعي، وتتعدد صياغة هذه القاعدة عند علماء الأصول فتكون بعبارة "لا اجتهاد مع النص" وتارة "لا يجوز الاجتهاد مع النص"و"لا قياس مع النص" كما تصاغ "لا اجتهاد في القطعيات" بمعنى المسائل المنصوص عليها قطعا بنص صريح غير ظني، فيكون الاجتهاد في النصوص الظنية، ومهما تعددت صياغة القاعدة إلا أنها تؤدي وظيفة واحدة وثابتة لا تتبدل ولا تتغير.
ب. تأصيل القاعدة:
من الأدلة القرآنية على قاعدة لا اجتهاد مع وجود النص: قوله تعالى:) وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا([3].
فالآية تبين على أنه لا مجال للاجتهاد أمام أمره تعالى وأمر نبيه e، فلا يكون حينها إلا الإتباع والتسليم وعدم مجاوزة الأمر بأي طريق ما دام هناك أمر الله وحكمه بالنص الصريح الصحيح البين. والاجتهاد في محل النص مخالف للآية، وقوله تعالى: )ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم[4]( الاجتهاد في مقابل النص هو تقدم بين يدي الله ورسوله،
ومنه قوله تعالى:) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون([5]، لاجدال في أن الاجتهاد فيما حرمه الله أو أباحه بالنص سواء من الكتاب أو السنة هو كذب على الله وافتراء.
وفي السنة النبوية حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حين أرسله رسول الله e إلى اليمن قاضيا فقال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء، قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال معاذ: فضرب رسول الله e على صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله[6].
ومن سنة الخلفاء الراشدين أنه لما تنزل بهم نوازل جديدة يرجعون إلى كتاب الله فإن وجدوا فيه قضوا به، فإن لم يجدوا نظروا في السنة، فإن وجدوا شيئا قضوا به، فإن لم يجدوا شيئا رجعوا إلى الاجتهاد.
ومن العقل أو المعقول أن القاعدة منطقية ومعقولة المعنى؛ يمكن القول أنه إذا كان الحكم الشرعي ثابت وحاصل بالنص الشرعي فإنه حينها لا حاجة للمجتهد في تكلفه المشقة، وبذل الوسع لتحصيل الحكم، لأن الفقيه يبحث عن الحكم الشرعي المغيب عنه، وإذا كان يبحث عن الحكم الشرعي وهو حاصل بالنص فإن ذاك يكون عبث لا طائل من ورائه ولأن الحكم الشرعي حاصل بالنص الثابت، ولكن قد يكون بذل الوسع من قبل المجتهد في فهم النص، لأنه قد تختلف مدارك العلماء في الفهم أو التنزيل، أو إظهار قياس خفي على قياس جلي وغيره.
ج. تطبيقات القاعدة:
إننا حينما نجد الإسلام يقر بالاجتهاد في الدين ويجازي عليه، ونجد النبي e يقر به، ويدرب عليه و يعطي القدوة بنفسه، فإن هذا لا يعني حرية مطلقة في ممارسة الاجتهاد، والسير به في أي اتجاه، ولا يعني أن لكل مجتهد أن يقول ما شاء، وكيف شاء مما يعني له وتميل إليه نفسه ويزينه له عقله وفكره، بل الاجتهاد علم وأثر مع استدلال ونظر، فالاجتهاد أمانة[7]. لا بد من مراعاة ضوابطه وشروطه، التي وضعها العلماء تماشيا مع القواعد التي توافق مقصد الشارع، ومن القواعد الثابتة لا اجتهاد مع وجود النص.
قال الدكتور نور الدين مختار الخادمي: "فالنص هو الدليل الذي يراد تطبيق حكمه وعلته ومقصده والواقع هو ميدان الفعل والتصرف الذي سيكون محكوما بذلك النص وموجها، نحو مقاصده وغاياته، والمكلف هو المؤهل عقلا وروحا وبدنا للملاءمة بين النص والواقع، أي لتسيير الواقع على وفق النص وأحكامه ومقاصده، وتنزيل ما ينبغي تنزيله من معالجات شرعية لمشكلات ذلك الواقع وأقضيته وأحواله"[8] .
أما ما جاء خلافا للنص في المفهوم والمنطوق فإنه مناقض للمقاصد التي جاءت الشريعة لتحقيقها، ومغاير لقواعدها الثابتة بالنصوص، ومنه مثلا: ما اقترحه بعض المضللين من أداء الصلوات الجماعية على الكراسي، كما يفعل النصارى في الكنائس، بحجة ضمان الخشوع والتأمل، وتكميل مظاهر الوحدة والسكينة، إلا أن هذا الاقتراح معارض لثوابت الدين الحنيف، نصوصا، وقواعدا، واجتهادات، كما يظهر من هذا الاجتهاد السخيف- المخجل قول أنه اجتهاد أو اعتباره كذلك- أنه كذلك مناقض لأصل التعبد بالخضوع والامتثال، فالعبادة في الصلاة كما بينها النبي e بقوله وفعله“صلوا كما رأيتموني أصلي”[9] ، إذا فعبادة الصلاة لا تعد عبادة إلا بالقيام والاستواء في الصفوف مع وجوب الركوع والسجود والجلوس والقراءة وغيره، وكل هذا منصوص عليه في الشريعة وقد نقلت لنا هذه العبادة بالأقوال والأفعال من عهد النبي e والصحابة والتابعين إلى من بعدهم إلى أن وصلتنا كما هي، فهذه المسألة من المسائل التي قيل أنها اجتهاد مع وجود النص الصحيح الصريح، وهو اجتهاد سخيف ومن المقترحات المضحكة.
إذا فإن أي عبادة لا تمثل الخضوع والقيام لله تعالى إلا بما شرع، ونصت عليه نصوص قطعية ثابتة، وكل ما كان بخلاف هذا فإنه لا يقبل، وعليه فإنه لا اجتهاد في مورد النص ومن أمثلة ما اجتهد فيه على غرار نصوص قطعية ثابتة صلاة الجمعة باقتراح تغيير يومها ليوم الأحد بالنسبة للمقيمين بأمريكا أو بلاد الكفر عموما، بحجج واهية لا طائل منها، في حقيقة أمرها هي إتباع الهوى، وتعطيل لثوابت الشريعة، وتبديل لشرع الله تعالى الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان، مهما تبدلت الحياة وتطورت الحضارات، فالجمعة عبادة مقيدة بزمان زوال يوم الجمعة وليس زوال يوم الأحد، قال تعالى:) يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون([10].
وقد تقدم الشيخ محمد التاويل حفظه الله بإلقاء محاضرة في القاعدة ـ يوم الثلاثاء 22 يناير2008 بكلية الآداب ظهر المهراز فاس ـ بين فيها القاعدة بيانا واضحا من خلال بعض التطبيقات في رده على الذين اجتهدوا وأفتوا في مسألة الفوائد الربوية، قوله: هل يصح أن نفسر هذه الفتوى بالاجتهاد أو مجرد تبني رأي؟ ونحن نجد في الحديث"الربا وإن قل حرام" وعموم النص ) وأحل الله البيع وحرم الربا ([11]، فهذه لا يمكن أن نعدها من باب الاجتهاد.
ومن الأمثلة كذلك موضوع زواج المسلمة بالكافر، فهذا الموضوع يتبناه بعض المعاصرين ويحتجون بالقياس، قياس زواج المسلم بالكتابية، فإذا جاز للمسلم أن يتزوج الكتابية، فالمسلمة أيضا أن تتزوج الكتابي، وهذا قياس يغالطون به؛ والقياس هنا في محل النص، لأن القرآن يقول: ) فإن علمتموهن مومنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن( [12]. ويعقبوا بأن الآية فيها الكفار؛ واليهود والنصارى ليسوا كفارا، لكن القرآن صريح في تسمية اليهود والنصارى بالكفار) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم( [13]. وقوله تعالى:) ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا( [14]. فالعلة في منع زواج المسلمة بالكافر صريحة وهي الإشراك؛ وفي الإباحة الإيمان.
ومثال آخر ما ورد في مدونة الأسرة أنه لا طلاق إلا بموافقة الزوجة والمحكمة، فتساءل الشيخ في أن يعد هذا اجتهاد في محل النص؟ أم أنه اجتهاد يساير النص؟ أو يقولون أنه تقييد المباح، وتقييد المباح لا يعد مخالفة للنص. وهذا من أكبر الأخطاء أيضا، لأن النص المطلق يبقى على إطلاقه ولا يجوز تقييده إلا بما يستحق تقييده كالقياس أو الأدلة الشرعية الأخرى، فهذا يتناقض مع الآية:) وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج([15]، فهذه حرية معطاة للزوج منوطة بإرادته، ليس هناك من يقيد هذه الإرادة، وهناك حديث آخر"الطلاق بيد من أخذ بالساق".
إن ما يلاحظ من خلال هذه الاجتهادات من دعاة التحريف والتضليل إنما هو إرادة من أعداء الإسلام لطمس بعض الثوابت الدينية تدريجيا وتغيير بعضها بأفكار واقتراحات تتنافي مع مبادئ الإسلام وثوابته الراسخة بالكتاب والسنة، لكن العلماء وضعوا قواعد تتصدى لكل من تسول له نفسه أن يتحدث في هذا الدين بغير علم أو تسول له نفسه أو عقله في ادعاء الاجتهاد بحجة تبدل العصر وازدهار الحضارة. وإنما يجب– كما يقولون- الاجتهاد في الشريعة تماشيا مع متطلبات العصر وتوافقا مع الواقع، وهذا باطل يتنافى مع قواعد الشريعة معقولها ومنطوقها ومفهومها. فالاجتهاد حقيقة لا بد منها لكن بضوابطه وتبعا لمقاصد الشريعة ووفق منحى متبع الغرض منه تحقيق صلاح العباد في الدارين، ارتكازا على قواعد ثابتة تراعي في جوهرها التبدل والتغيير والتطور، لا ذلك التطور الذي يراه الإنسان حتى لا نلوي أعناق النصوص إلى غير مقاصد الشريعة أو يجتهد اجتهادات بعيدة عن الصواب الشرعي، فالمصلحة هي ما راعاها الشارع لا ما رآها العقل عملا بقاعدة "أينما كان شرع الله فثم المصلحة"، أو أينما كانت المصلحة فثم شرع الله ما لم تخالف نصا.
فبهذه القاعدة الرصينة "لا اجتهاد في مورد النص" تصدى العلماء لكثير من دعاة الاجتهاد على مصراعيه، دفاعا عن حجج واهنة، إذا فالقاعدة تمثل عمودا قويما ومنارة ساطعة يرى منها العلماء جميع أعداء الله فيدفعونهم بما ثبت من القواعد التي تعد بمنزلة أسس قوية تحافظ على الأصل وتعين المجتهد من أهل العلم على الاجتهاد في النوازل، تيسر له الوقت وتختصر الطريق وتوضح المعالم.
ومن تطبيقات قاعدة لا اجتهاد مع وجود النص مسألة الحجاب التي قالوا عنها على أنها تخالف مبدأ الحرية الشخصية على حسب زعمهم ومسألة الربا من خلال الفوائد البنكية التي تخالف سيرورة العصر وتقدمه ومسألة الإستنساخ التي تغير خلق الله، إلى غيرها من المسائل...
إذا فالقاعدة لا اجتهاد مع وجود النص تحقق بعدا مقصديا يتجلى في اختصار الوقت والوسع لبذل جهد في مسائل محكوم على حكمها بنصوص الشرع الحكيم.
كما يظهر على أنها حصن منيع لكل من تسول له نفسه الحديث في أحكام هذا الدين واتباع لحجج عقلية زائلة أو براهين مشبوهة من أجل التبديل والتغيير، فبالقاعدة نحفظ ثوابت الدين وأسسه المتينة من دعاة الزيغ واتباع الهوى والشهوات أعداد الدين الإسلامي، أو أولئك الذين يجتهدون بصفاء النية مع ظلال في المنهج والسبيل، كما تعطي النص قدسيته العالية وتنبه أولئك الغافلين عن مصدر هذا الذي يريدون إقصاءه أو الخوض فيه بدون علم من أجل التنقيص منه، لكن أنى لهم ذلك.
فالاجتهاد لا بد فيه من حمل الناس على التوسط "لأن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع"[16]، والقاعدة في نفيها للاجتهاد مع وجود النص تقرير مبدأ حمل الناس على المعهود الوسط دون مذهب الشدة، ولا ميل إلى الانحلال كما قد لاحظناه في التطبيق.
وبالتالي فجملة الكلام أن الاجتهاد لا بد منه، لكن على أساس أن لا يمس الثوابت ويراعي القواعد ويحقق المقاصد، في درء المفاسد وجلب المصالح، في الدنيا والآخرة، القاعدة تلك كنز من كنوز الشريعة التي ما فتئ العلماء في إعمالها ومراعاتها.
[6] أخرجه الدارمي، ج 1/ ص: 60، وهو مختلف في صحته لجهالة أحد رواته ولكنه مما تلقته الأمة بالقبول ومعناه صحيح.
مواضيع قد تفيدك أيضاَ :
الرئيسية,
قسم المقالات المنوعة,
مشاركات الزوار


1 التعليقات:
لدى اجابة اخرى بسيطة ان اى امر نزل به الشرع او نهانا عنه فنحن لسنا مخيرين فى ذلكالامر بالمشاورة فيه كالصلاةوايتاء الزطاء
إرسال تعليق